فصل: تفسير الآيات (54- 56):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآية رقم (50):

{أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)}.
التفسير:
فى هذا الاستفهام إنكار على أهل الكتاب هذا الموقف الذي يقفونه من شرع اللّه، وأنهم لا يأخذون منه إلا ما يستجيب لأهوائهم، فهم- والحال كذلك- يريدون أن يتحللوا من كل شرع، ويفلتوا من كل قانون، شأن الحياة الجاهلية التي تحكمها الأهواء، وتسيّرها النزعات الذاتية السائدة فيها، حيث لا مرجع إلى شرع أو قانون.
وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} هو تسفيه لأهل الكتاب، وفضح لجهلهم وضلالهم، إذ يعدلون عن شرع اللّه، ويخرجون عن حكمه، إلى شريعة الجاهلية، وأحكام السفاهة والضلال.. وذلك من حماقة عقولهم، وسفه أحلامهم، إذ أنه لا يعرف فرق ما بين أحكام اللّه، وأحكام غير اللّه، إلا من أخلى قلبه من نزعات الهوى، وصفّى مشاعره من وساوس النفاق، ونظر إلى اللّه بقلب سليم، فعرفه حق معرفته، وقدره حقّ قدره، ورأى أن هدى اللّه هو الهدى، وأن من اتبع غير سبيله ضل وهلك، ومن سلك سبيله رشد وسعد.

.تفسير الآيات (51- 53):

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (53)}.
التفسير:
الأولياء: جمع ولىّ، والولي هو النصير، والظهير، والمعين.
وقوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ} هو للنهى عن موالاة اليهود والنصارى، وليس دعوة إلى عداوة أو قطيعة، وإنما هو نهى عن مناصرتهم ومعاضدتهم، والوقوف إلى جانبهم، وهم على موقفهم من الإسلام ومحاربتهم له، فذلك خيانة للمسلمين، وعدوان على الإسلام.. إذ كيف يكونون هم حربا على الإسلام، ثم يكون في المسلمين من هو على ولاء لهم، ومودة معهم؟
وقوله تعالى: {بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ} أي أن اليهود أولياء لليهود، والنصارى أولياء للنصارى.. وهذا أوّل ما فيه أن يجعل المسلمين أولياء للمسلمين، فلا يكون ولاء المسلم، ومناصرته ومناصحته، لغير المسلمين، فإذا لم يكن هذا الولاء، وتلك المناصحة من المسلم للمسلمين فلا أقّلّ من أن يقف عند هذا الحدّ السلبي- وهو موقف آثم- فلا يتحول إلى جبهة معادية للإسلام وأهله، فيكون لها مساندا مناصحا.. إن ذلك- كما قلنا- نفاق ظاهر، وكفر خفى! وقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} هو بيان للوصف الذي يكون عليه من يجعل ولاءه لغير المسلمين من أهل الكتاب المحادّين للّه ورسوله، المحاربين للإسلام والمسلمين، وهو أنه من هؤلاء الظالمين، المعتدين على حق دينه، وحق أتباع دينه، بخذلانهما، ومناصرة أعدائهما.
والظلم هنا شبيه بالظلم في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.
لأن المسلم الذي يوالى أهل الكتاب، ويترك موالاة المؤمنين قد حكم بغير ما أنزل اللّه واتبع ما يرضى هواه، ويحقق نفعا ذاتيا له، على حساب دينه.
قوله سبحانه: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ}.
{الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} هم المنافقون، الذين ستروا نفاقهم بالدخول في الإسلام، والانضواء تحت لواء المسلمين، ليتخذوا من الإسلام تجارة يتجرون بها في سوق السحت والاختلاس.. وهذا لا يكون إلا من قلب مريض، يستقبل كل ضلال، دون أن يغصّ به، أو يزورّ عنه.
والمسارعة فيهم أي في أهل الكتاب: الانغماس فيهم، ولهذا جاء اللفظ القرآنى بتعدية الفعل سارع بحرف الجرّ فى، بدلا من تعديته بحرف الجر إلى الذي يتعدى به هذا الفعل غالبا.. كقوله تعالى: {وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [133] آل عمران.
وفى تعدية الفعل بحرف الجر في ما يكشف عن أن هؤلاء المنافقين ينغمسون في أهل الكتاب، ويدخلون فيهم دخولا كاملا، حيث يحتويهم ظرف واحد، إذ هم كيان واحد يألف بعضه بعضا.
وفى قوله تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ} تشهير بهؤلاء المنافقين، وفضح لهم، وأنهم وإن لبسوا كل أثواب التخفّى، لا يلبث أمرهم أن ينفضح وينكشف، وأنهم بمرأى من النبي والمؤمنين، ولهذا جاء الفعل {ترى} وكأنه يشير إليهم، ويحدّد موقفهم الذي هم فيه في الجبهة الأخرى، جبهة أهل الكتاب.. وهكذا المنافق دائما، إن لم يلتفت إليه أحد، دلّ هو الناس عليه، بكثرة التفاته إليهم وحذره منهم، وصدق المثل الذي يقول: يكاد المريب يقول خذونى! وقوله تعالى: {يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ} هو ترجمة لهذه التصوّرات المريضة، التي يعيش فيها المنافقون.. فهم أبدا على خوف وقلق، لا يسكنون إلى أمر، ولا يقيمون على رأى، بل تراهم وأعينهم تدور هنا وهناك، يريدون أن يجمعوا بين الشيء ونقيضه، حتى إذا فاتهم هذا لم يفتهم ذاك.. فهم مع المؤمنين، يخشون أن تكون الكرّة لأهل الكتاب.. وهم مع أهل الكتاب يخشون أن تكون الدولة للمؤمنين.. ولهذا فهم يلبسون الإيمان ظاهرا، ثم يوادّون أهل الكتاب باطنا.. وبهذا- كما تصور لهم نفوسهم المريضة- يحمون أنفسهم من أىّ أذى يصيبهم من أية جبهة غلبت، إذ سرعان ما يتحولون إلى الجبهة الأخرى التي كانوا قد احتفظوا بمكان لهم فيها.
فهؤلاء الذين يوادّون غير المؤمنين، ويلقون بأنفسهم في أهل الكتاب، ويوثقّون صلاتهم بهم، إنما يفعلون هذا ليكون لهم منه شفيع عند أهل الكتاب، إذا كان لهم الغلب يوما على المؤمنين، فلا يصيبهم من الدائرة- وهى الهزيمة وما يلحق أصحابها من أذى- ما يصيب المؤمنين، إذا هم أصابتهم الدائرة التي يتوقعها المنافقون لهم.
وقوله تعالى: {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ} هو وعيد للمنافقين بما يملأ قلوبهم حسرة وندما، إذ جاء تدبيرهم وبالا عليهم وخسرانا لهم، حين قدّروا أن الدائرة ستدور على المؤمنين، فأخلوا مكانهم من بينهم، واتخذوا أهل الكتاب أولياءهم- ثم هو وعد كريم من اللّه، يجيء بتلك البشريات المسعدة للمؤمنين، وبأنهم هم المنتصرون، وأن الخزي والخذلان لأعدائهم، ولمن انضوى إليهم من منافقين.. {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ} الذي يمكّن للمؤمنين من أعدائهم، وقد جاء نصر اللّه والفتح، ودخل الناس في دين اللّه أفواجا فدالت دولة الشرك، وذهبت ريح النفاق والمنافقين.
وقوله تعالى: {أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} أي تدبير من عند اللّه، يجيء على غير انتظار، وعلى غير عمل من المؤمنين، كأن يوقع الشقاق والخلاف بين أحلاف السوء ومجتمع الضلال، فيفضح بعضهم بعضا، ويخذل بعضهم بعضا، فإذا أولياء الأمس أعداء اليوم، يبرأ بعضهم من بعض.
وحمل هذا الوعد الكريم من اللّه للمؤمنين على يدى فعل الرجاء {عسى} إنما ليقيم المسلمين على رجاء وأمل في رحمة اللّه بهم، وفضله عليهم، فتظل قلوبهم شاخصة إلى اللّه، ذاكرة له، ترقب غيوث رحمته، وفواضل نعمه.
ولو جاء هذا الوعد الكريم قاطعا منجزا لما بعث في القلوب المؤمنة تلك المشاعر المتجددة، ولما أمسك بها هذا الزمن الطويل، متشوّفة بأبصارها وقلوبها إلى غيوث رحمة اللّه، ومواطر أفضاله ونعمه.
وقوله تعالى: {فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ} هو عرض لتلك النهاية التي ينتهى إليها أمر هؤلاء المنافقين، وما يؤول إليه عاقبة مكرهم وتدبيرهم.. إنه الندم والحسرة والخسران.
قوله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ}.
هو عرض لهؤلاء المنافقين في معرض آخر من معارض الخزي والفضيحة، فبعد أن دعا اللّه سبحانه وتعالى كل ذى نظر أن ينظر إلى هؤلاء المنافقين، ويشهد كيف يتهالكون على أهل الكتاب، ويرتمون في أحضانهم، خوفا من أوهام متسلطة عليهم- بعد أن عرضهم اللّه سبحانه في هذا المعرض الفاضح، وتوعدهم بالخزي والخسران، بنصر اللّه المؤمنين، وبخذلان الكافرين والمنافقين- جاءت هذه الآية الكريمة، تدعو المؤمنين إلى أن يديروا النظر مرة أخرى إلى هؤلاء المنافقين، وأن يقلّبوا صفحات تاريخهم في الإسلام، ويتتبعوا مسيرتهم معه.. ثم ليصدروا حكمهم عليهم.. وهنا يكثر حديث المؤمنين عن هؤلاء المنافقين، ويلقى بعضهم بعضا بما اطلعوا عليه من نفاقهم، فتكثر فيهم القالة، ويكثر العجب والدهش من أمرهم، وإذا الفضيحة تجلجل بصوتها في كل أفق، وتتحرك بأشباحها في كل مكان.
وليس ما حكاه القرآن من مقولة المسلمين فيهم: {أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} ليس هذا هو كل ما قيل فيهم.. وإنما هو مضمون ما قيل، وصميم ما ينبغى أن يقال في هؤلاء المنافقين.. إذ أنهم كانوا يحلفون باللّه للمؤمنين جهد أيمانهم- أي بأغلظ أيمانهم وآكدها- إنهم لمع المؤمنين، ولن يتخلّوا عنهم في حرب أو سلم.
وهذا الحلف نفسه، والمبالغة فيه هو الذي يكشف المستور من أمرهم، ويعطى الدليل على أنّهم على غير الإسلام.. إذ أنهم لو كانوا مسلمين حقّا لما حلفوا وأكّدوا الحلف أنهم مؤمنون، ومع المؤمنين.. فما دعاهم أحد أن يحلفوا، ولكنّ كائن النفاق الذي يعيش في كيانهم هو الذي حملهم على أن يستروا كذبهم ونفاقهم بهذه الأيمان المؤكدة، حتى لا يفتضح ما في قلوبهم.
وهكذا المجرم، يحوم حول جريمته، يريد أن يخفى معالمها حتى ولو لم تكن هناك معالم لها.. لأنه لخوفه يتصور أن كل ما كان في مكان الجريمة من كائنات، شاهد عليه، ينادى في الناس بالإمساك به قبل أن يفلت.
وقوله تعالى: {حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ} أي فسد تدبيرهم، وخاب ظنّهم، وبطل سعيهم، فكان ذلك خسران لهم أي خسران.. خسروا المؤمنين الذين أصبحوا فيهم وقد افتضح أمرهم لهم، وخسروا أولياءهم من أهل الكتاب بعد أن أصابتهم الهزيمة، وعلت راية الإسلام، وعزّت كلمته.

.تفسير الآيات (54- 56):

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (56)}.
التفسير:
بعد هذه المراقبة التي اطلع منها المسلمون على هؤلاء المنافقين الذين ارتدّوا على أدبارهم، وألقوا بأنفسهم في مجتمع اليهود وغيرهم، ممن يكيدون للإسلام، ويبيّتون الشرّ للمسلمين، وبعد أن عاين المسلمون ما وقع أو ما سيقع للمنافقين من سوء حال وشر منقلب، وخسران للدنيا والآخرة- بعد هذا كان على المسلمين أن يراقبوا أنفسهم، وأن يأخذوا حذرهم من أن يردوا هذا المورد الآسن الآثم.. فجاء قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} منبها لهم ومحذّرا، أن من يرتدّ منهم عن دينه كما ارتدّ هؤلاء المنافقون الذين عرفوا أمرهم ومصيرهم، فستكون عاقبة المرتد منهم هي نفس عاقبة أولئك المنافقين: النّدم والحسرة والخزي والخسران المبين.
والارتداد، معناه الرجوع إلى وراء، والعودة من المكان الذي كان قد تحرك منه المرتدّ إلى الأمام.. وهذا يعنى أنه يهدم ما بنى، وينقض ما غزل ولا يفعل ذلك إلا سفيه أحمق! وفى إضافة الدّين إلى المؤمن، وبلفظ المفرد. هكذا: {عَنْ دِينِهِ} ما يلفت المؤمن إلى هذا الدين الذي دخل فيه، وأصبح من أهله، وأنه دينه هو، وثمرته عائدة عليه وحده، وأنه الدّين الذي ينبغى أن يعيش فيه، ويشتدّ حرصه عليه.
إذ هو الدين الذي يدين به كل عاقل.. إنه دينه، إن كان من أهل العقل والرشاد.
وقوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} هو معطوف على جواب الشرط، وليس جوابا للشرط، وإن كانت الفاء الواقعة في جواب الشرط تشير إلى هذا الجواب.
ويكون معنى الآية هكذا: يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسيلقى مالقى هؤلاء المنافقون الذين ارتدوا، من نكال وبلاء وسوء مصير، ثم إنّه لن يضرّ اللّه شيئا، ولن يضير المسلمين في شيء، لأنه سيخلى مكانه، الذي كان له في الإسلام، ليأخذه من هو أولى به منه، وأكرم عند اللّه، وأكثر نفعا للمسلمين، وأعظم غناء في الإسلام.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ...} الآية.
وهؤلاء القوم الذين سيأتى اللّه بهم، ويدخلهم في دينه، قد وصفوا بأوصاف أربعة:
أولا: يحبهم اللّه ويحبونه.
وحبّ اللّه لهم: دعوتهم إلى الإسلام، وشرح صدورهم له، وثثبيت أقدامهم فيه.. لأنه سبحانه وتعالى هو الذي أحبّهم، وهو الذي اختارهم ودعاهم.. وهذا فضل عظيم، ودرجة من الرضا، لا ينالها إلا من أكرمه اللّه، واستضافه، وخلع عليه حلل السعادة والرضوان.. جعلنا اللّه من أهل محبته، وضيافته.
أما حبّهم هم للّه، فهو في استجابة دعوته، وامتثال أمره، والولاء له، ولرسوله وللمؤمنين.
ثانيا: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ}.
إجماع المفسّرين على أن هذا الوصف، هو وصف لهؤلاء القوم بعد أن دخلوا في الإسلام، فكانت تلك صفتهم، وهذا سلوكهم فيه.. {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} أي متخاضعين للمؤمنين، لا يلقونهم إلا باللّين والتواضع.. {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ} أي أشدّاء وأقوياء، لا يلقى منهم أهل الكفر إلا بلاء في القتال، واستبسالا في الحرب.. أما في السّلم فهم جبال راسخة في الإيمان.
لا ينال أحد منهم نيلا في دينه، ولا يطمع أحد من أعداء الإسلام في موالاتهم أو في تعاطفهم معه.
هذا هو إجماع المفسّرين في فهم هذا المقطع من الآية، ويشهدون لذلك بقوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ} [29: الفتح] ومع هذا، فإنى أستريح لفهم آخر، غير هذا الفهم.. أرى أنه يفتح لهذا المقطع آفاقا أرحب من هذا الأفق الذي حصره المفسرون فيه، وأطلعوه منه.
فأقول- واللّه أعلم- إن هذا الوصف هو وصف لهؤلاء القوم الذين سوف يدعوهم اللّه سبحانه وتعالى إليه، وييسّر لهم الطريق إلى دينه.
وفى قوله تعالى {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ} نرى:
1- أن هؤلاء القوم المدعوّين إلى ضيافة اللّه هم من الذين كانوا يستخفّ بهم مؤمنون، ويحقرونهم، لأنهم كانوا على عداوة ظاهرة للإسلام، وعلى كيد عظيم للمسلمين.. فهم- والحال كذلك- ميئوس من دخولهم في الإسلام، لا يطمع المسلمون في أن يكونوا معهم في يوم ما، وعلى هذا، فهم لا حساب لهم في الإسلام عند المسلمين، ثم هم في الوقت نفسه {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ} إذ كانوا سندا قويا لهم في مواجهة الإسلام والمسلمين.
وحسبنا أن نذكر هنا خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبى سفيان، وقد كانا هما للّذين كسبا معركة أحد لقريش، بعد أن كادت الدائرة تدور عليهم.
ثم دخلا بعد ذلك في الإسلام فكانا درعين حصينين للإسلام، وقوة من القوى التي استند عليها في هزيمة الكفر، وإعلاء كلمة اللّه.. كانا أذلة على المؤمنين أعزّة على الكافرين.. هكذا كانا قبل أن يدخلا في الإسلام.
2- أن في هذا العرض لهؤلاء القوم الذين لم يكن أحد ينتظر منهم خيرا للإسلام، ثم إذا هم خير كثير له بعد أن دخلوا فيه- في هذا ما يغرى أولئك المسلمين الذين تتلجلج في صدورهم دواعى النفاق، أن يستمسكوا بمكانهم في الإسلام، وأن يرسّخوا أقدامهم فيه، حتى لا يأخذ مكانهم أولئك القوم، الذين ينظرون إليهم نظر اتهام وازدراء، إذا كانوا حربا على الإسلام والمسلمين.
3- حين ينظر المنافقون إلى هذا المقطع من الآية الكريمة- على هذا الفهم- ويرون أن رؤوس الكافرين، وأهل العزّة فيهم سيكونون يوما في جانب المسلمين- حين يرون هذا يفكرون أكثر من مرة قبل أن يلوذوا بحمى هؤلاء الأعزة الأقوياء، ويرون أن من الخير لهم أن ينتظروهم على الطريق وهم متجهون إلى دين اللّه! 4- في هذا الفهم تبدو هناك طريق مفتوحة دائما لمن يكيدون للإسلام- وهم غالبا أصحاب دولة وصولة في مجتمع الكفر والضلال- ينفذون منها إلى الإسلام، ويعطون من قوتهم له، ما أعطوه من قبل في حربه، وعداوته.
وفى عمر بن الخطاب شاهد مبين لهذا.
وهكذا، يصبح من كان عدوا للّه ولرسوله وللمؤمنين، وليّا للّه، متابعا لرسول اللّه، مجاهدا في سبيل اللّه، على حين يتحول من كان- في ظاهره- مواليا للّه، ولرسوله، ولدينه، عدوا اللّه، ولرسوله، وحربا على دينه.
فهناك طريقان: طريق.. يستقبل منه الإسلام، أقواما كانوا أعداء له وحربا عليه.. وطريق.. يتسلل منه جماعات من المسلمين، إلى حيث الكفر والضلال.
ثالثا: {يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}.
هذه صفة ثالثة من صفات أولئك الداخلين في الإسلام، المدعوين إلى ضيافة اللّه فيه، بعد أن طرد من ضيافته أولئك المنافقين ومن في قلوبهم مرض.
فهؤلاء المسلمون الجدد: {يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ويدفعون عن الإسلام والمسلمين يد البغي والعدوان، ويعطون ولاءهم كله لدينهم الذي دعاهم اللّه إليه، وارتضاهم له.. لا يضنّون عليه بأموالهم ولا بأرواحهم.
رابعا: {لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ}.
ومن صفاتهم أنهم في إيمانهم، وفى جهادهم في سبيل اللّه، لا ينظرون إلى غير اللّه، ولا يلتفتون إلّا إلى نصرة دين اللّه، لا يثنيهم عن ذلك لوم لائم، من قريب أو صديق، ممن بقي على الكفر من أقاربهم وأصدقائهم.. إنهم باعوا كل شيء، وتخلّو عن كل شيء، إلا إيمانهم باللّه، ونصرتهم لدين اللّه.
وفى قوله تعالى: {ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ} إشارة إلى أن هذا الذي يجرى في حياة الناس، من تحول وتبدل، فيتحول أهل الكفر والضلال إلى الهدى والإيمان، هو من فضل اللّه، الذي استنقذ به أولئك الضالين الذين كانوا على شفا حفرة من النار.. وهذا الفضل هو بيد اللّه، لا يملك أحد منه شيئا {يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ} ويصرفه عمن يشاء.. {وَاللَّهُ واسِعٌ} لا يضيق فضله بأحد، ولا تنفذ خزائنه بالإنفاق.. {عليم} بمن هم أهل لهذا الفضل، فخصّهم به، واجتباهم له.. {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.
قوله تعالى: {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ}.
هو دعوة للمؤمنين جميعا، من دخل في الإسلام، ومن لم يدخل بعد، أن تكون ولايتهم ونصحهم للّه ولرسوله وللمؤمنين.
وفى قوله تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ} هو صفة للمؤمنين الذين يطمئن إليهم المؤمن، ويعطيهم ولاءه ونصحه، ومحبته.
وفى هذا تحذير للمؤمنين أن ينخدعوا لمن آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه.
ومن آثار الإيمان بالقلب أن يقيم المؤمن الصلاة، وأن يؤتى الزكاة.
يقيم الصلاة خاشعا، ويؤدى الزكاة راضيا، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَهُمْ راكِعُونَ} أي خاشعون، في غير رياء، أو استعلاء.. لأنهم في صلاتهم وزكاتهم على عبادة للّه، وفى حضور بين يديه، فينبغى أن يعطوا هذا المقام حقّه من الخشوع للّه، والخضوع بين يديه، حتى يكونوا في معرض القبول من اللّه، لصلاتهم وزكاتهم.
قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ} بيان لما تثمره الموالاة للّه ورسوله والمؤمنين، فإن من يوالى اللّه يكون من حزب اللّه، ومن كان في حزب اللّه فهو من الفائزين، لأنه في ضمان اللّه، وفى جنده الذين لا يغلب أبدا.. {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [21: المجادلة].
هذا، وقد ذهب كثير من المفسّرين إلى أن قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ} مراد به علىّ بن أبى طالب كرّم اللّه وجهه.. ويروون لهذا أحاديث، تفيد أن هذه الآية نزلت في علىّ رضى اللّه عنه، وأنّه تصدق على فقير سأله وهو راكع في الصلاة، فنزع خاتما كان في يده، وألقاه إليه، وهو في صلاته..!
وفى هذا الخبر أمور.. منها:
أولا: أن الخطاب عام، بلفظ الجمع: {الَّذِينَ آمَنُوا} والوقوف بالآية عند صريح لفظها خير من التأويل والتخريج، إذ لا يعدل عن صريح اللفظ، إلا إذا كان ما يخفيه وراءه أولى مما يبديه ظاهره.
والعكس هنا صحيح، إذ ظاهر الآية وصريح لفظها أولى من حمله على غير هذا المحمل، كما سترى.
وثانيا: هذا السائل الذي يسأل مؤمنا قائما بين يدى اللّه يؤدى الصلاة.
ألا ينتظر حتى يفرغ المصلّى من صلاته؟ أهو غريق مشرف على الهلاك، حتى يستنجد بمن هو قائم بين يدى اللّه، عابدا خاشعا؟
ثالثا: الإمام على كرم اللّه وجهه، وهو في استغراقه في صلاته بين يدى ربه.. أيقطع هذا الموقف، وجلاله، وروعته، ليتصدق على فقير؟
وماذا لو انتظر حتى يفرغ من الصلاة؟ أيموت هذا الفقير جوعا؟ إن ذلك كان يمكن أن يقع لو أن نارا علقت بهذا الإنسان الفقير، وكادت تلتهمه، ولا منقذ له إلا على بن أبى طالب! وعلى هذا فالآية الكريمة خطاب عام للمؤمنين جميعا.. وإنما صرفها إلى هذا الوجه من التأويل، ما جاء فيها من الولاية التي يستخرج منها بعض الشيعة دليلا على أحقّية علىّ بالخلافة، وأن هذه الآية تؤيد حديثا يروى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه أخذ بيد علىّ كرم اللّه وجهه، ثم قال: «من كنت مولاه فعلىّ مولاه.. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.»!
والموالاة هنا معناها الحبّ، والمودة، لا الخلافة، فمن أحبّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وجب عليه- دينا- أن يحبّ آل بيته، ومنهم علىّ كرم اللّه وجهه، بل ووجب عليه دينا أن يحبّ كل مؤمن.. {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا}.